حالة الضرورة من موانع المسؤولية الجنائية (أو أسباب الإباحة بحسب التكييف الفقهي والقانوني
حالة الضرورة في قانون العقوبات اليمني: تحليل قانوني وشروط الإعفاء.
أولاً: مقدمة
بين مطرقة الجريمة وسندان الهلاك: كيف وازن المشرع اليمني حالة الضرورة؟ تقف العدالة الجنائية حائرة في كثير من الأحيان أمام معضلة إنسانية قاسية؛ عندما يجد الإنسان نفسه مجبراً على الاختيار بين ارتكاب سلوك يجرمه القانون، أو الاستسلام لخطر داهم يهدد حياته أو ماله. في هذه اللحظات الحرجة، تسقط الاختيارات الاختيارية وتتحكم "الضرورة الغاشمة" في سلوك البشر. فهل يعاقب القانون شخصاً سرق رغيف خبز لينقذ طفله من موت محقق؟ أو هدم جدار جاره ليمنع حريقاً يلتهم حياً بأكمله؟انطلاقاً من القواعد الكلية للشريعة الإسلامية التي تقر بأن "الضرورات تبيح المحظورات"، أفرد قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994م تنظيماً دقيقاً لـ "حالة الضرورة" في مادته الـ (36)، معتبراً إياها طوق نجاة قانوني يرفع المسؤولية الجنائية عن الفاعل.
وفي هذا المقال الذي اعددناه لكم ، نغوص في تحليل عميق وشامل لأركان حالة الضرورة في التشريع اليمني، ونستعرض الشروط الصارمة التي وضعها المشرع لمنع استغلال هذا العذر، والآثار المدنية والجزائية المترتبة عليه.
عند إخضاع حالة الضرورة لتحليل قانوني وفقاً لـ قرار جمهوري بالقانون رقم (12) لسنة 1994م بشأن الجرائم والعقوبات اليمني، يتبين أن المشرّع اليمني قد أفرد لها تنظيماً دقيقاً ومستقلاً يوازن فيه بين الضرورة الإنسانية الملجئة وبين حماية الحقوق وصيانتها من الاستباحة العشوائية. [1, 2]
أولاً: النص التشريعي والتكييف القانوني
"لا مسؤولية على من ارتكب فعلاً ألجأته إليه ضرورة وقاية نفسه أو غيره أو ماله أو مال غيره من خطر جسيم محدق لم يتسبب هو فيه عمداً، ولم يكن في قدرته منعه بوسيلة أخرى، ويشترط أن يكون الفعل متناسباً مع الخطر المراد اتقاؤه ولا يعتبر في حالة ضرورة من أوجب عليه القانون مواجهة ذلك الخطر". [4, 5]
التحليل الفقهي والقانوني للتكييف:
- السبب: في حالة الضرورة، يقع الفعل الإجرامي على شخص "بريء" تماماً لم يصدر منه أي اعتداء (عكس الدفاع الشرعي حيث يقع الفعل على المعتدي)، وبالتالي فإن القانون لا يبيح الجريمة في ذاتها، وإنما يعفي الفاعل من العقوبة الجنائية مراعاةً للحالة النفسية والاضطرار التام الذي أعدم حرية الاختيار لديه. [6]
ثانياً: التحليل الدقيق لشروط الخطر (مصدر الضرورة)
- طبيعة الخطر ومحله: يجب أن يهدد الخطر النفس (الحياة، السلامة الجسدية، العرض) أو المال، سواء كان خاصاً بالفاعل أو يخص شخصاً غيره (الغير). [4, 5]
- أن يكون الخطر جسيماً ومحدقاً (حالاً): أي أنه خطر من شأنه إحداث ضرر فادح لا يمكن تداركه، وأن يكون وشيك الوقوع ومباشراً (في الحال)، فلا يُقبل الدفع بالضرورة بناءً على أوهام أو أخطار مستقبلية أو احتمالية. [5, 8]
- ألا يكون لإرادة الفاعل دخل في حلول الخطر (شرط العمد): عبارة "لم يتسبب هو فيه عمداً" تعني أنه إذا قام الشخص بإشعال حريق في منزله عمداً، ثم اضطر لسرقة سيارة جاره ليربأ بنفسه من النيران، فلا يمكنه الاحتجاج بحالة الضرورة؛ لأنه هو من خلق الخطر بإرادته. أما إذا تسبب بالخطر خطأً (دون عمد)، فيظل بإمكانه التمسك بحالة الضرورة. [1]
ثالثاً: التحليل الدقيق لشروط الفعل (السلوك الإجرامي المرتكب)
- شرط الاستحالة والالتجاء التام: عبارة "ولم يكن في قدرته منعه بوسيلة أخرى" تعني أن الجريمة يجب أن تكون هي السبيل الوحيد والأخير لإنقاذ الحق المهدد. فإذا كان بإمكان الشخص الهروب، أو الاستعانة بالسلطات، أو دفع الخطر بطريقة مشروعة وتجنب ذلك، انتفت حالة الضرورة. [1]
-
شرط التناسب:
نصت المادة على أن
"يكون الفعل متناسباً مع الخطر المراد اتقاؤه". هذا الشرط مستمد مباشرة من الشريعة الإسلامية (المادة 5 من القانون المدني اليمني:
"الضرورات تبيح المحظورات التي لا تندفع إلا بها.. والضرورة تقدر بقدرها"). والتناسب يُقاس بميزان المصالح والمفاسد:
- مصلحة أعلى مقابل مصلحة أدنى: (مباح قطعاً) كإتلاف مال الغير لإنقاذ حياة إنسان.
- مصلحة مساوية لمصلحة مساوية: كإتلاف مال لإنقاذ مال آخر مساوٍ له في القيمة.
- مصلحة أدنى مقابل أعلى: (غير مقبول قانوناً) فلا يجوز التضحية بنفس بشرية (القتل) لإنقاذ مال، حيث استقر القضاء على أن النفوس متساوية، ولا تُلجئ الضرورة لقتل الأبرياء. [4, 5, 9]
رابعاً: الاستثناء الوظيفي (الواجب القانوني)
وهذا يعني أن أفراد المهن والوظائف التي تقوم طبيعتها على التضحية ومجابهة الأخطار (مثل رجال الإطفاء، وأفراد القوات المسلحة، والأمن، وقادة الطائرات والسفن) لا يجوز لهم التخلي عن واجبهم أو ارتكاب جرائم كالتخلي عن إنقاذ المواطنين بحجة الخوف على أنفسهم من خطر الموت؛ لأن مواجهة الخطر هنا التزام قانوني ووظيفي مقدم على المصلحة الشخصية. [4, 5, 8]
خامساً: تجاوز حدود الضرورة
"إذا تجاوز الشخص بإهماله حدود الإباحة أو الضرورة أو الدفاع الشرعي يعاقب على هذا التجاوز إذا كان القانون يجرمه بوصفه جريمة غير عمدية". [10, 11]
- التحليل: إذا أساء الفاعل تقدير الخطر، أو استعمل قسوة مفرطة أو ارتكب فعلاً يتجاوز بكثير حجم التناسب المطلوب نتيجة إهماله أو رعونته، فإنه لا يُعفى تماماً، بل يرفع عنه القانون العقوبة العمدية ويحاسبه على أساس "الجريمة غير العمدية" (مثل القتل الخطأ أو الإيذاء الخطأ)، وهو تخفيف كبير للعقوبة مراعاةً للظرف المحيط به. [10, 12]
سادساً: الأثر المدني (المسؤولية المدنية والتعويض)
"من سبب ضرراً للغير ليتفادى به ضرراً أكبر محدقاً به أو بغيره لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً شرعاً". [13]
- التحليل: إعفاء الشخص جنائياً من العقوبة والسجن لا يعني ضياع حقوق الأبرياء؛ فالقاعدة الشرعية المقرة في القانون اليمني هي أن "الاضطرار لا يبطل حق الغير". لذا، يُلزم القاضي الشخص المستفيد من الضرورة بدفع تعويض مالي عادل للمتضرر (جبر الضرر)، ويملك القاضي سلطة تقديرية واسعة لتقليل مبلغ التعويض مقارنة بالتعويضات العادية مراعاة لظروف الاضطرار. [9, 13]
